حين تدار الصحة بالأرقام ويدفع الإنسان الثمن
مقدمة
أعتذر مسبقًا عن طول هذا المقال، لكن طولَه هنا ليس ترفًا في السرد، بل ضرورة يفرضها حجم الصورة التي لا تُفهم من مقطع مبتور ولا من انفعال عابر. ما سيرد أدناه ليس تأجيجًا، ولا خصومة مع أحد، ولا رغبة في الإثارة، بل عرض لحقائق متراكمة ووقائع يلمسها الممارسون الصحيون يومًا بعد يوم، وتعكس واقعًا في بعض مفاصل القطاع الصحي لا يوازي ما بلغته بقية قطاعات هذا البلد من احترافية في الإدارة، ووضوح في المسؤولية، واحترام للإنسان والحق. المؤلم أن جزءًا من هذا الواقع لم يتشكل من تعقيد الملف الصحي وحده، بل من ممارسات اتسمت باللف والدوران، والالتفاف على المقاصد، وتجميل الصورة على حساب الحقيقة. وما يُكتب هنا ليس إلا محاولة صريحة لوضع هذه الوقائع أمام القارئ كما هي، أملاً في أن تُفهم الصورة كاملة، لا أن تُقتطع منها زوايا مريحة. فالغاية ليست الهدم، ولا التشويش، وإنما مناقشة حقائق ثابتة، طموحًا إلى أن يرتقي القطاع الصحي إلى المستوى الذي يوازي طموح هذا الوطن ورؤيته، وأن تُكف أيدي المتلاعبين بهذا المجال الحساس عن العبث بحقوق الناس ومستقبل المهنة وجودة الرعاية
الصحة ليست ملفًا عاديًا يمكن احتمال العبث فيه، ولا قطاعًا يحتمل هذا القدر من الارتباك في قراراته ومساراته وحقوق العاملين فيه. وما جرى خلال السنوات الماضية، ثم ما ازداد وضوحًا مع مسار التحول، يكشف فجوة آخذة في الاتساع بين ما يفترض أن يكون عليه القطاع الصحي، وبين ما انتهى إليه فعليًا تحت إدارة مسؤولين لم ينجحوا في ضبط هذا الملف بحجمه الحقيقي، فانشغل بعضهم بالمؤشرات أكثر من الجوهر، وبشكل التقارير أكثر من مضمون الواقع، حتى أصبحت الأرقام الخضراء ستارًا لا يعكس ما يعيشه الممارس الصحي، ولا ما ينعكس فعلًا على جودة الرعاية.
ومن أشد ما كشف الخلل، وأوضح ما فضح طريقة إدارة الملف، ما جرى في مسألة رواتب الموظفين المتحولين. فقد جاء التوجيه واضحًا في معناه ومقصده: ألا ينخفض راتب الموظف بعد التحول عمّا كان عليه سابقًا. وكان المفهوم عند الممارسين الصحيين من أطباء وممرضين وغيرهم أن هذا الحد الأدنى من الاستقرار المالي مصون، وأن الانتقال لن يكون بابًا لانتقاص الدخل تحت أي صيغة. لكن الذي حدث على الأرض كان شيئًا آخر تمامًا؛ إذ جرى التلاعب بالبنود لا بالمسمى الظاهر للراتب، فبدا على الورق وكأن الراتب النهائي لم ينخفض، بينما انخفض فعليًا مجموع الدخل السنوي عند عدد من الممارسين الصحيين انخفاضًا واضحًا وصل عند بعض الأطباء إلى خمسين وستين ألف ريال، بل وتجاوز ذلك في بعض الحالات.
الطريقة لم تكن خفضًا مباشرًا مكشوفًا، بل كانت أكثر التفافًا من ذلك؛ إذ أُسقط بدل التفرغ، ثم أُلصق بدل السكن في موضعه، ليظهر الرقم النهائي في الشكل العام وكأنه مقارب لما كان سابقًا، بينما الحقيقة المالية مختلفة تمامًا. وبهذه الصيغة بدا الأمر في الأوراق وكأن الموظف لم يخسر شيئًا، في حين أن دخله الحقيقي السنوي انخفض بنسبة تقارب عشرين إلى ثلاثين في المئة. وهذا لا يمكن وصفه بأنه مجرد إعادة ترتيب فني للمكونات، لأن الأثر النهائي وقع على جيب الممارس الصحي وعلى استقراره المعيشي مباشرة. وحين يُفرَّغ التوجيه من مضمونه بهذه الطريقة، ويُحافَظ على الشكل وحده، فإن المسألة لا تعود مجرد اجتهاد إداري، بل تصبح صورة صريحة من صور الالتفاف على المقصود، والتلاعب بالبند حتى يضيع الحق بين الأسماء والعناوين.
والأشد مرارة أن هذا لم يقع على فئة هامشية ولا على موظفين يمكن تجاوز أثره بسهولة، بل على أبناء وبنات الوطن الغالي من الممارسين الصحيين الذين يحملون أصلًا عبء الميدان، من أطباء وممرضين وغيرهم، ويؤدون أعمالًا شاقة في قطاع يمس صحة الناس اليومية ومستقبل الرعاية كله. هؤلاء لم يكونوا ينتظرون من التحول أن يخفض دخولهم، بل كانوا يأملون ــ حتى في الفترات السابقة ــ أن تتحسن أوضاعهم المالية والمهنية بما يوازي حجم مسؤولياتهم، فإذا بهم يُفاجؤون بأن التحول لم يرفع العبء عنهم، بل أنقص من دخلهم الفعلي تحت غطاء صيغ حسابية لا تغيّر من الحقيقة شيئًا. وهذا النوع من العبث لا يليق بمكانة قطاع بهذه الحساسية، ولا يليق بمسؤولية من أوكل إليهم ضبطه، ولا يوازي ما تتحمله هذه المهن من ضغط ومخاطر، ولا يقترب حتى من مستوى ما يتقاضاه نظراؤهم في دول العالم الأول قياسًا بحجم العمل والاستنزاف والمسؤولية.
ويكتمل هذا الاضطراب حين يُنظر إلى جانب لا يقل خطورة، وهو تقلص عدد الوظائف السنوية المطروحة للأطباء رغم ازدياد الاحتياج الفعلي عامًا بعد عام. ففي الوقت الذي يتوسع فيه الطلب على الخدمة الصحية، ويزداد فيه عدد السكان، وتتعاظم فيه الحاجة إلى كوادر وطنية مستقرة ومؤهلة، ينخفض المعروض من الفرص الوظيفية للأطباء على نحو يبعث على القلق، وكأن التخطيط يسير بعكس اتجاه الواقع. والنتيجة ليست فقط تضييقًا على الخريجين والأطباء الجدد، بل إضعافًا لقدرة القطاع كله على سد احتياجه الحقيقي، وتعميقًا للفجوة في معدل الأطباء لكل مئة ألف نسمة مقارنة بما هو قائم في دول أخرى. وهذه ليست مسألة أرقام مجردة، بل مسألة طاقة نظام صحي كامل، لأن القطاع الذي يقل فيه عدد الأطباء عن حاجته الطبيعية، ثم يرهق من هم في الميدان فوق طاقتهم، لا يعالج النقص بل يعيد إنتاجه بصورة أشد قسوة على الممارس والمريض معًا
ولا يبتعد عن هذا السياق ملف بدل التميز لمستحقيه، الذي لم يُفتح التقديم عليه حتى هذه اللحظة لعامي 2024 و2025، في تأخير لا يبدو بريئًا بقدر ما يبدو امتدادًا للعقلية نفسها: تأجيل الحق حتى يبرد، وتمييع الاستحقاق حتى يبهت، وترك الزمن يؤدي مهمة الإطفاء بدل أن تؤدى الأمانة كما يجب. فالحق إذا أُجّل عامًا بعد عام، ثم جاءت العقود الجديدة والتحول بمسارات مختلفة، صار الرهان عند بعض المسؤولين على أن يُنسى هذا الاستحقاق تدريجيًا، أو أن يصبح الوصول إليه أعقد من أن يطارده كل مستحق. وبهذا لا يكون التجاوز حرمانًا مباشرًا فقط، بل استنزافًا بطيئًا للحق حتى يذوب في الزحام الإداري.
الطبيب السعودي لا يستطيع أن يمارس يومًا واحدًا قبل اجتياز الرخصة المهنية، وهذا أصل صحيح لا خلاف عليه. لكن الفوضى تبدأ حين يُضاف إلى هذا المسار النظامي الواضح اختبار آخر غامض تحت مظلة الصحة القابضة، بلا وضوح كافٍ في أسسه، ولا طمأنينة في طريقة تقييمه، ولا شفافية تزيل ما يحيط به من ريبة. ويُطلب من الطبيب أن يرفع إجاباته عبر الفيديو في مشهد لا يبدو تطويرًا إداريًا بقدر ما يبدو بابًا فضفاضًا يمكن أن يُستعمل في غير ما وُضع له، وأن يتحول إلى أداة فرز انتقائية أكثر من كونه معيارًا مهنيًا منضبطًا.
وتشتد المرارة حين يرى الطبيب السعودي أن غير السعودي يُستقطب عبر حملات توظيف دولية، وتُمنح له مزايا جاذبة، ويُعامل أحيانًا بمرونة زمنية تمتد بعد بدء العمل لاجتياز بعض المتطلبات، مع فرصة قد تصل إلى سنة لاجتياز الاختبار، بينما يُثقل الطبيب المحلي داخل بلده بمسار أكثر تعقيدًا وغموضًا. هنا لا تعود المسألة تفصيلًا إداريًا، بل تصبح مساسًا مباشرًا بشعور الطبيب السعودي بالإنصاف، وكأن عليه أن يثبت جدارته مرة بعد مرة، لا لأنه أقل، بل لأن الفوضى الإدارية وجدت فيه الطرف الأسهل تحميلًا.
ثم جاءت أزمة السبونسر في عام 2025 لتكشف قدرًا آخر من هذا الاضطراب. طبيب يُقبل في برنامج، ويباشر، ويعمل، ويؤدي من المناوبات والضغط السريري ما يفوق أحيانًا الموظف الثابت في المنشأة، ثم يجد نفسه معلقًا بين جهة تدريبية تريد المقعد، وجهة مشغلة تريد الخدمة، ومرجعية لا تُحسم عندها الأمور كما ينبغي. وهكذا صار الطبيب هو الحلقة الأضعف، بينما تتقاذفه التفسيرات وتتوزعه الأعذار. وبعض من قُبلوا في مراكز لا تتبع للوزارة فوجئوا لاحقًا بتراجع تلك الجهات أو بإرباك أوضاعهم بسبب ملف السبونسر، في صورة لا تدل على تعقيد طبيعي بقدر ما تدل على ضعف في الحوكمة وعجز في التنسيق وسوء تقدير لمسؤولية تمس مستقبل الناس مباشرة. والمركز الذي يتفاخر بعدد المقاعد قبل أن يحسم الغطاء الوظيفي والمالي لها لا يبني مسارًا تدريبيًا محترمًا، بل يورط الناس في أوهام إدارية يدفع ثمنها الطبيب من عمره واستقراره ودخله.
ولا تقف الفوضى هنا. فمن أنهى البورد أو الفيلوشيب وعاد بمؤهل أعلى ومسؤولية أكبر، كان يفترض أن يجد مساره الوظيفي والمالي مصححًا بما يليق بما أنجزه. لكن الذي حدث في حالات كثيرة أن الطبيب يعمل بمستوى أخصائي أو استشاري، ويتحمل المسؤولية كاملة، ثم يبقى على دخل أدنى لمدد طويلة، بلا أثر رجعي، وبلا تسوية عادلة تعيد إليه حقه. المؤسسة هنا تستفيد من المؤهل الجديد، لكنها تتباطأ في الاعتراف به، وكأن التأهيل العالي عبء على صاحبه لا قيمة مضافة للقطاع. وهذه من أقسى صور الظلم الإداري، لأنها لا تكتفي بتأخير الحق، بل تجعل صاحب الحق يعمل بالمستوى الأعلى ثم تحاسبه ماديًا بالمستوى الأدنى.
وقبل أن تبدأ مرحلة التحول أصلًا، كانت هناك حقوق قديمة تتبخر على الطريق. من بينها اختفاء أرصدة إجازات لآلاف الممارسين الصحيين، وهي ليست مسألة جانبية كما قد يظن بعض الإداريين، بل حقوق مالية وزمنية وحياتية تراكمت عبر سنين العمل، ثم اختفت من الرصيد قبل بدء التحول، وكأن الماضي يمكن محوه بضغطة نظام. والتحول الذي لا يبدأ برد المظالم القديمة ولا يفتح ملفاتها بوضوح وعدالة، لا يبدأ من أرض صلبة، بل يحمل معه ما سبقه من اختلال ويزيده تعقيدًا. وليس غريبًا بعد ذلك أن يصبح ديوان المظالم محطة معتادة لمنسوبي وزارة الصحة في مشهد يجمع من الأسى بقدر ما يجمع من السخرية السوداء.
وفي كل جهة وظيفية محترمة، لا يكون العقد مجرد ورقة مباشرة للعمل، بل وثيقة تحفظ الحق، وتمنع التلاعب، وتضبط الالتزام، وتحسم النزاع قبل وقوعه. أما أن يظهر في هذا القطاع الحساس عقد هزيل، مقتضب، فقير في تفاصيله، ضعيف في طمأنته، فذلك ليس مجرد خلل شكلي، بل انعكاس لطريقة تفكير كاملة لا تحب أن تُفصّل لأنها لا تريد أن تُقيّد نفسها بما يجب عليها أصلًا. وعقود الصحة القابضة حين تأتي في صفحة واحدة بلا تفصيل يحمي الطرفين، فإنها لا توحي بصلابة الحوكمة بقدر ما توحي بضعفها، ولا تطمئن الموظف بقدر ما تتركه معلقًا أمام نص مختصر لا يساوي حجم العلاقة التعاقدية ولا حساسية القطاع.
ومن أقدم أوجه التقصير وأوضحها أن الممارس الصحي، وخصوصًا الطبيب والممرض، ظل يتحمل من حسابه الشخصي رسوم تجديد الرخصة ومتطلبات مهنية إلزامية لا يستطيع العمل بدونها. الأصل في أي قطاع يحترم أدوات مهنته أن يتحمل ما يرتبط مباشرة بتمكين موظفه من ممارسة عمله، لا أن يطالبه بالاستمرار في الخدمة ثم يتركه يدفع من جيبه ثمن بقائه النظامي على رأس العمل. وقد يراها بعضهم نقطة بسيطة، لكنها في حقيقتها تكشف ذهنية كاملة: أن يُطلب من الممارس كل شيء، ثم يُترك وحده يتحمل حتى كلفة حقه الأساسي في الاستمرار بالعمل.
يزيد المشهد عبثًا حين يُقدَّم علاج الموظف في مستشفيات التجمع أو ما يتعلق بالتأمين الصحي وكأنه فضل إداري أو ميزة منحتها الشركة لموظفيها، مع أن أصل الحق في الرعاية الصحية كفلته الدولة من الأساس واعتمدته قيادتنا الرشيدة حفظها الله ، ونصت المادة السابعة والعشرون من النظام الأساسي للحكم بوضوح على أن الدولة تكفل حق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة. لذلك فإن تسويق هذا الجانب على أنه تكرم من مسؤولي القابضة أو منّة منهم ليس إلا تسلقًا على حق لم يصنعوه ولم يقدموه من جيوبهم أصلًا. وإذا كان هذا القطاع قد اتجه اليوم إلى نموذج أقرب للتشغيل والاستقلالية، وأصبح يُدار بعقلية القطاع الخاص في كثير من جوانبه، فإن أول ما يُنتظر منه عندئذ هو تأمين صحي حقيقي وواضح يليق بالممارس الصحي كما يلزم نظام العمل للقطاع الخاص ، لا الاكتفاء بإعادة تسمية حق قائم أصلًا وتقديمه في صورة امتياز إداري. والمفارقة الأشد قسوة أن طبقات إدارية عليا داخل الصحة القابضة تملك تأمينًا فعليًا واسعًا، بينما يُراد لمن هم في الميدان أن يقتنعوا بأن العلاج داخل نطاق التجمع الذي يعملون فيه هو المكسب الذي مُنح لهم. وهنا لا يكون الخلل في الصياغة فقط، بل في العقلية التي تحاول تحويل الحق إلى منّة، والواجب إلى دعاية
ومن أخطر الانحرافات التي أصابت القطاع الصحي أن بعض الجهات التنفيذية فيه تحولت إلى ماكينة مؤشرات. سرعة إغلاق، وسرعة رد، ونسبة رضا، وعدد شكاوى، ولوحات أداء، وأرقام ملونة. كل ذلك مهم، نعم، لكن الخلل يبدأ حين تتحول الأداة إلى غاية، وحين يُقاس نجاح القطاع بما يبدو أخضر على الشاشة، لا بما يحدث فعليًا في العيادة والطوارئ والمركز الصحي. فالصحة ليست مصنعًا، والطب ليس خدمة سريعة تُقاس فقط بعدد من مروا عبر المسار. القطاع الصحي في جوهره نوعي قبل أن يكون كميًا. جودة القرار، وجودة الفحص، وجودة الوقت، وجودة التواصل، وسلامة الطبيب، وسلامة المريض، والإنصاف في عبء العمل، كلها معانٍ لا تختصرها المؤشرات بسهولة. وحين يُتلاعب بالقياس معنويًا أو يُستعمل لتزيين الواقع بدل كشفه، يصبح المؤشر حجابًا لا مرآة. ومن قرأ كتاب كيف تتلاعب بالأرقام يعرف أن الأرقام حين تُنتزع من سياقها لا تكشف الحقيقة، بل قد تُستعمل لدفنها وتلميعها.
ويكفي أن يُنظر إلى حال كثير من أطباء الأسرة الذين يستقبلون أعدادًا مهولة من المرضى خلال ساعات محدودة، أعدادًا تتجاوز ما يقبله المنطق أصلًا ولا تسمح بأخذ تاريخ مرضي محترم ولا فحص سريري كامل. في مثل هذا الواقع لا يعود الطبيب طبيبًا بقدر ما يتحول إلى خط إنتاج مضغوط؛ يفحص ويشرح ويشخّص ويوثّق ويتابع ويرضي ويمنع الشكوى، ثم يُطلب منه بعد ذلك كله أن يحافظ على الجودة والسلامة وكأنه يعمل في ظروف طبيعية. وهذه إدارة لا تخدم المريض، ولا تحمي الطبيب، ولا تبني رعاية صحية محترمة، وإنما تطفئ طوابير الغضب بأسرع طريقة ولو كان الثمن سحق الممارس الصحي.
ومن هنا نفهم كيف تحولت بعض قنوات الشكاوى إلى جزء من المشكلة بدل أن تكون جزءًا من الحل. إغلاق جانب الأطباء في 937، ثم تحويل المشهد إلى مركز اتصالات يستقبل الشكاوى بعيدًا عن فهم الميدان وسياسات المستشفيات وسياقات العمل الفعلية، لم ينتج تحسينًا بقدر ما أنتج ملاحقات شكلية وطلبات تفسير لا تستحق أصلًا أن تُرفع بهذا الشكل. وحين يصل الأمر إلى مطالبة منشأة بتفسير لون سكراب الطبيب أو تفاصيل هامشية لا تمس جوهر الخدمة، فإن الخلل لا يعود في الشكوى فقط، بل في الآلية التي تستقبلها وتضخمها وتتعامل معها بمعزل عن المنطق المهني. في هذا المناخ لا يشعر الممارس أن المنظومة تستمع إليه، بل يشعر أنها تلتف أي تصعيد ثم ترميه على المنشأة لترد، لا لتفهم، ولتحتوي الأثر، لا لتعالج السبب.
ومع الوقت اتسعت البيئة السامة في عدد من المنشآت، خصوصًا في بعض المراكز الصحية، وأصبح كثير من الممارسين يعملون تحت ضغط يومي لا يسمح باستقرار مهني ولا جودة رعاية ولا عدالة في توزيع العبء. كل ذلك لأجل تقليل الشكاوى، وتحسين سرعة الاستجابة، وتجميل المؤشرات. حتى صار السؤال مشروعًا: هل نحن أمام وزارة صحة أم أمام مؤسسة متابعة شكاوى؟ لأن الإدارة التي تباشر فورًا كل شكوى شكلية وتغفل أصل الخلل السريري والتنظيمي لا تبني قطاعًا صحيًا، بل تدير غرفة متابعة مؤشرات.
ومع أن سُلَّم الخدمة المدنية للأطباء سُنّ منذ عام 1432هـ، واستمر أثره حتى اليوم وحتى لحظة الانتقال إلى الصحة القابضة، فإن الممارسين الصحيين ظلوا يأملون بكل تفاؤل وثقة أن يأتي ما بعده بما يرفع أوضاعهم ويحسن دخولهم ويوازي حجم مسؤولياتهم. لكن الصدمة جاءت مع واقع خفض الدخل الفعلي عند شريحة واسعة منهم بدل أن يتحقق التحسين المأمول. وهنا تتضح الأزمة بأبسط صورها: قطاع ضخم، مسؤولياته أعظم من أن تُدار بالترقيع، لكن عقولًا إدارية محدودة تعاملت معه بمنطق التسكين، لا بمنطق الإصلاح.
ثم يأتي جانب آخر لا يقل أثرًا، وهو الفجوة بين دخل الممارس الصحي وما يتحمله من عبء ومسؤولية، لا سيما إذا نُظر إلى أوضاع نظرائه في دول متقدمة وإلى الفرق في البيئة المحفزة والحماية المهنية والاستقرار الوظيفي. القضية هنا ليست مقارنة سطحية بين أرقام مجردة، بل سؤال عن القيمة التي يضعها هذا القطاع لأطبائه وممرضيّه حين يجمع عليهم الضغط، ويؤخر حقهم، ويضعفهم بعقود هزيلة، ثم يطالبهم أن يروا المستقبل مشرقًا في بيئة لا تبعث أصلًا على الطمأنينة.
ويزيد هذا كله سوءًا أن تُدار بين وقت وآخر معارك جانبية على السوشال ميديا حول الزي وتفاصيله وأين يُلبس ومتى يُلبس، وكأن هذا هو جوهر التحدي الصحي الحقيقي. هذا النوع من الجدل لا يحفظ ثقة المجتمع، بل يضعفها، ويجعل الطبيب والممرض يشعران أن الجهة التي يفترض أن تحمي مكانتهما قد تشارك أحيانًا، مباشرة أو عبر أذرعها، في استهلاك صورتهما أمام الناس بدل تعزيزها. وبدل أن تُبنى الثقة بين المراجع والطبيب والممرضين على المهنية والعدالة والاحترام، تُستنزف في نقاشات هامشية لا تليق بحجم الملفات المتراكمة.
وبرنامج التحول الصحي في ذاته كبير، وضخامة القطاع معروفة، وتعقيد إدارته ليس سرًا على أحد. لكن الذي جرى أن هذا التعقيد استلمته عقول لم تضبطه كما ينبغي، ولم تُحسن الموازنة بين الإنسان والمؤشر، ولا بين الحق والتقرير، ولا بين الواقع والصورة. ولهذا صار كثير من العاملين في الميدان يشعرون أن الشعارات شيء، وما يحدث في تفاصيل الحقوق والعقود والمسارات المهنية والعدالة التشغيلية شيء آخر. والمشكلة هنا ليست في كِبر المشروع، بل فيمن تولى التنفيذ بعقلية سطحية أو مرتبكة أو مشغولة بتلوين التقارير أكثر من إصلاح الأعطاب.
ولهذا، حين تجتمع هذه الفوضى كلها: غموض الاختبارات، التلاعب بمستويات الدخل تحت لافتة عدم خفض الرواتب، تجميد بدل التميز، اضطراب العقود، ضياع الحقوق، تحميل الممارس كلفة الرخص والشهادات المهنية الإلزامية ، العبث بخطاب الحقوق، عبء العمل الخانق، هشاشة الحماية، الشكاوى الشكلية، والجدل الهامشي على الزي، فإن القضية تكبر عن أن تكون مجرد تذمر وظيفي. هنا نتكلم عن مستقبل قطاع، وعن مستقبل أطباء وممرضين سعوديين يفترض أن يكونوا أحد أعمدة هذا البلد.
المشكلة لم تعد في خطأ عابر ولا في تعثر محدود، بل في عقلية أدارت بعض مفاصل هذا القطاع كما لو أن تحسين الصورة يكفي عن إصلاح الأصل. ولهذا تراكمت ضبابية العقود، واضطربت المسارات، وتأخرت الحقوق، وانكسرت العدالة، واستُنزف الممارسون، بينما استمر الخطاب لشركة الصحة القابضة في إنتاج لغة مطمئنة لا تشبه ما يحدث على الأرض. وما يطلبه الممارس الصحي السعودي ليس امتيازًا زائدًا، ولا مدحًا فارغًا، ولا ترفًا وظيفيًا، بل الحد الأدنى من العدالة المهنية: مسار واضح، عقد محترم، حق محفوظ، ومؤسسة تدرك أن من ينهض بالقطاع فعلًا ليس المؤشر الملوّن، بل الإنسان الذي يقف في الميدان.
ولذلك فإن الكلام الصريح اليوم ليس خروجًا على شيء، بل هو من صميم الحرص على أبناء البلد ومستقبل البلد. لأن الصحة، بكل أسف، تعيش في كثير من مفاصلها فوضى عارمة. والفوضى إذا استمرت في هذا القطاع فلن تستهلك الطبيب وحده ولا الممرض وحده، بل ستأكل من ثقة المجتمع، ومن جودة الرعاية، ومن صورة المستقبل نفسه. والسؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذا المشهد ليس سؤال استنكار بقدر ما هو مطالبة مستحقة: أين المتحدث الرسمي للصحة القابضة؟ أين المرجعية الواضحة؟ أين أرقام التواصل؟ أين الجهة التي تواجه هذه الملفات بصدق بدل دفنها تحت العبارات اللامعة؟
أما أبناء وبنات الوطن من الممارسين الصحيين، فلا يريدون أكثر من حقهم المهني والإنساني: عدلًا واضحًا، عقدًا محترمًا، مسارًا نزيهًا، وبيئة لا تكافئهم بالشعارات وتعاقبهم في الواقع. لأن الذي ينهض بالقطاع، في النهاية، ليس الرقم الذي يلمع في التقرير، بل الإنسان الذي يقف كل يوم في الميدان ويتحمل ما لا يُكتب كاملًا في أي لوحة مؤشرات
الكاتب / صوت من داخل القطاع
تعليقات
إرسال تعليق